عبد الملك الجويني

8

نهاية المطلب في دراية المذهب

حتى نستأصلَهم أو يسلموا ، وحمل أصحابُ المعاني قوله تعالى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [ النساء : 89 ] ، على هؤلاء . وقسم لهم حقيقةُ الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، وهؤلاء تحقن دماؤهم بالجزية ، وتحل ذبائحهم ، ومناكحتهم بنصوص القرآن ، فأما الحقن ، ففي قوله تعالى : { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] ، وحل الذبيحة في قوله تعالى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } [ المائدة : 5 ] . والمراد الذبائح ، وحل المناكحة في قوله تعالى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } [ المائدة : 5 ] . وقسمٌ ليس لهم كتاب ، ولهم شبهة الكتاب ، وهم المجوس ، فتحقن دماؤهم بالجزية ، ولا تحل ذبيحتهم ، ولا مناكحتهم على ظاهر المذهب ، فغلّبنا فيهم أمرين يقضي الشرع بتغليبهما : أحدهما - الحقن ، وعليه أخذ الجزية . والثاني - [ الحرمة ] ( 1 ) في المناكحة والذبيحة ، وقد روي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذ الجزية من مجوس هجر " ( 2 ) . وروجع عليٌّ فيهم ، فقال : " أنا أعلم الناس بأمرهم . كان لهم كتاب يدرسونه ، وعلم يتعلمونه ، فواقع فيهم ملك ابنته ، فاطلع عليه أهل مملكته ، فهموا بقتله ، فقال : هل تعلمون ديناً خيراً من دين أبيكم ؟ ( 3 ) كان يزوج بناته من بنيه ، فلما أصبحوا كانوا قد أُسري على كتابهم ومُحي ما كان في حفظهم " ( 4 ) .

--> ( 1 ) في الأصل : " الحقن " . والمثبت تصرف من المحقق . ( 2 ) حديث أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر رواه البخاري من طريق بجالة بن عبدة قال : كنت كاتباً لجَزء بن معاوية فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة " فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس " . ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . ر . " البخاري : الجزية والموادعة ، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب ، ح 3156 ، 3157 ) . ( 3 ) يقصد آدم عليه السلام . ( 4 ) أثر علي " أنا أعلم الناس بأمرهم . . . " رواه الشافعي ( الأم : 4 / 173 ) ، وعبد الرزاق في مصنفه ( 6 / 70 ح 10029 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 9 / 188 ) ، والمعرفة ( 7 / 115 ) .